كشف بناصر أحوجيل، رئيس جماعة سابق، عن تفاصيل حساسة تتعلق بقضية اعتقال بولحوش وعصابته، مؤكداً أن الرواية الرسمية التي قدمتها الإذاعة والتلفزة آنذاك كانت مزورة ومضللة.
وأشار أحوجيل إلى أن البلاغ الرسمي نسب الفضل في إلقاء القبض على العصابة إلى جهود السلطات المحلية وبتعاون معه، بينما الحقيقة كانت مختلفة تماماً عما تم الترويج له رسمياً.
روى أحوجيل تفاصيل دقيقة عن عملية الاعتقال، مؤكداً أنه التقى بإدريس مخشوم أولاً، ثم أحضر مجموعة من الأشخاص من منطقة بين إفران والحاجب في مكان يسمى سيدي عبد الرحمن، وذلك خلال الليل. واصطحب معه كاتب المجلس عبد الرزاق، واستخدموا سيارة الباشا الراحل، وقاموا بجولة استطلاعية للطريق قبل العملية للتأكد من عدم وجود حواجز أمنية.
وأوضح في حديثه الشيق لموقع “فبراير.كوم”، أن الدرك والأمن كان من المفترض أن يتولوا هذه المهمة، لكنه لم يفهم لماذا تركوا الأمر له، بينما كان هو وفريقه من حاصروا الموقع وتعاملوا مع الوضع بحذر حتى وصولهم إلى الرباط في الرابعة صباحاً.
دافع أحوجيل عن موقفه بقوة، مشيراً إلى أن جميع الأشخاص المعنيين بالقضية ما زالوا أحياء، بما في ذلك الأطفال الذين أصبحوا رجالاً الآن وعائلاتهم، وأن الناس يكذبون على الموتى بينما الشهود الأحياء يمكنهم تأكيد روايته. وروى أنه تلقى اتصالاً مؤخراً من شخص أخبره أن ما يكتبه الناس على وسائل التواصل الاجتماعي يناقض ما ذكره في كتابه، فرد عليه بقصة رمزية عن جحا وحماره، ليوضح أن الناس يصدقون الشائعات أكثر مما يصدقون من عاش الحدث بنفسه.
أكد أحوجيل أنه سمى كتابه “الحقيقة الأخرى” لأن الحقيقة الرسمية كانت مضللة ومغلوطة، وكان مضطراً لقول الحقيقة الحقيقية. وكشف عن الدوافع التي جعلته يكتب كتابه، موضحاً أنه كان قد أعلن ترشحه للانتخابات التشريعية للبرلمان عام 1997، وأن هذه القضية استُخدمت لتشويه سمعته وإسقاطه في الانتخابات، مما أخرجه عن مساره السياسي.
وأشار إلى أن التشهير به لم يكن فقط مسألة شخصية، بل حرم المتهمين أيضاً من الاستفادة من ظروف التخفيف، حيث أن التقديم الطوعي للعدالة والندم عادة ما يؤخذ بعين الاعتبار لتخفيف العقوبة، لكنهم حصلوا على ظروف تشديد بدلاً من ذلك.
حمّل أحوجيل المسؤولية لجهات متعددة، مشيراً إلى وجود تقصير من جهة معينة، سواء من المحكمة أو من الضابطة القضائية. وأوضح أنه لو أعدت الضابطة القضائية محاضر معقولة وحقيقية، لأخذتها المحكمة بعين الاعتبار، لكن التقصير جاء أيضاً من المحكمة بسبب الضجة الإعلامية التي أثارتها الصحافة، خاصة من خلال جهود الصحفي عبد العزيز كوكاس، الذي حياه وشكره على قيامه بواجبه الصحفي رغم صعوبة تناول مثل هذا الموضوع في ذلك الوقت.
انتقل أحوجيل للحديث عن واقع السياسة في المغرب، مقارناً بين الماضي والحاضر. أشار إلى أن الظروف التي بدأ فيها العمل السياسي كانت مختلفة تماماً، حيث كان المثقفون والمتعلمون يخيفون الناس، وكان هناك صراع حقيقي بين المرشحين. أما اليوم، فقد أصبحت السياسة سهلة للغاية مع الأسف، حسب تعبيره، حيث يدخلها كثيرون دون قناعة أو حب للنضال من أجل المصلحة العامة. وتحدث بحنين عن رفاق دربه الأميين في القراءة والكتابة، لكنهم كانوا حكماء وكانوا يعملون من أجل المصلحة العامة بلا مقابل.
انتقد أحوجيل بشدة نظام التعويضات الحالي للمنتخبين، معتبراً أن إعطاء رئيس الجماعة أربعة آلاف درهم شهرياً بالإضافة إلى السيارة وامتيازات أخرى يتناقض مع الفكرة الأصلية للجماعات، التي خُلقت للمساهمة والعمل التطوعي المجاني. وأكد أن العمل الانتخابي يجب أن يكون تطوعياً ومجانياً، وليس فرصة للإنسان ليطمع في الامتيازات المادية. واعتبر أن هذا الوضع غير جيد ويجب مراجعته.
تطرق أحوجيل إلى القوانين المنظمة للعملية السياسية والانتخابية، واصفاً إياها بالفضفاضة وغير الدقيقة، مما يجعل تطبيقها صعباً وقابلاً لتأويلات متعددة. وطالب بمجهود جديد لوضع قوانين حقيقية تؤطر المشهد السياسي بشكل أفضل وتشجع الناس المؤهلين على المشاركة. وأشار إلى أن كثيرين من ذوي الكفاءات والأطر يبتعدون عن السياسة بسبب هذه القوانين والممارسات الواقعية التي تختلف عما هو مكتوب.
أشاد أحوجيل بتحسن أداء رجال السلطة مقارنة بالماضي، مؤكداً أن أغلبيتهم اليوم في مستوى جيد ثقافياً وأخلاقياً وتأطيرياً، ويعرفون كيف يديرون التوازنات. واعتبر أن هناك تحسناً كبيراً في هذا المجال، رغم وجود بعض الاستثناءات كما في كل مكان. كما تحدث عن ضرورة أن يكون المترشح للانتخابات قد حقق شيئاً في حياته أولاً، منتقداً ظاهرة دخول الشباب للسياسة دون أن يكون لديهم أي إنجاز أو موارد مالية تمكنهم من الاستمرار في العمل الجماعي.
انتقد أحوجيل النظام الانتخابي الحالي، مشيراً إلى أن المرشح قد يفوز بمقعد بحصوله على مائة أو مائة وعشرين صوتاً فقط من أصل سبعمائة ناخب، دون أن يصل حتى إلى نصف الأصوات، معتبراً أن هذا يتناقض مع المبادئ الديمقراطية التي تقتضي حصول الفائز على الأقل على نصف الأصوات زائد واحد أي 51%. واقترح اعتماد نظام الدورين الانتخابيين لضمان وزن ديمقراطي حقيقي للعملية الانتخابية.
في ختام حديثه، أعرب أحوجيل عن شعوره بأن هناك حزماً في إدارة الشؤون العامة اليوم، وأن المسؤول الحالي مختلف عن الماضي، والأمور تسير بشكل جيد عموماً. لكنه شدد على ضرورة التصويب المستمر لما يمكن تصويبه، معترفاً بأن بعض الهفوات لا تزال موجودة وتحتاج إلى معالجة لتحسين المشهد السياسي والديمقراطي في المغرب.