في زيارة عيد عادية إلى منزل الراحل المحجوبي أحرضان، لم يكن الفاعل السياسي بناصر أحوجيل يتوقع أن تتحول تلك الجلسة إلى نقطة تحول في مساره. فالرجل الذي يصفه أحوجيل بـ”الأب الروحي” و”أستاذه في السياسة”، كان له رأي صريح وجريء غيّر مجرى الأحداث.
يروي أحوجيل تفاصيل تلك الزيارة بكثير من الصراحة: “كنت جالساً بين مجموعة من الحركيين، عندما ناداني أحرضان وسألني بالفرنسية: منذ متى أصبحت مخبراً للسلطات؟” كانت الصدمة كبيرة، لكن أحوجيل دافع عن نفسه مؤكداً أن ما يُشاع عنه غير صحيح وأن لديه الأدلة على براءته.
لكن الراحل أحرضان، المعروف بصراحته وبُعده عن “لغة الخشب”، لم يكتفِ بذلك. قال له: “يجب أن تُنقذ سمعتك”. وعندما استفسر أحوجيل عن الكيفية، جاءته النصيحة الذهبية: “أنت شاعر، تكتب، لماذا لا تؤلف كتاباً وتقول الحقيقة عن هذا العمل؟”
أعجبت الفكرة أحوجيل، فبدأ العمل على مشروع كتاب حول قضية بولحوش. لكن الطريق لم يكن معبداً بالورود. يقول: “لم تكن لدي إمكانيات، لا ناشر ولا موزع، لكن أحد مديري المطابع ساعدني كثيراً في الطباعة والنسخ”.
وفي تطور درامي، تلقى أحوجيل اتصالاً تحذيرياً من أحد العاملين في الإدارة: “قالوا لي إنك تكتب كتاباً لا يجب أن تكتبه”. لم يثنِه التهديد، بل زاده إصراراً. قرر العمل في سرية تامة، وفي يوم التوزيع، ملأ سيارته بثلاثة آلاف نسخة ووزعها بنفسه على المكتبات في الرباط والدار البيضاء وأكادير ومراكش.
## الدعم الإعلامي: رهان النجاح
أدرك أحوجيل أن الكتاب يحتاج إلى دعم إعلامي قوي. في ذلك الوقت، كانت الصحافة المكتوبة هي السلطة الرابعة الحقيقية، وكانت جرائد “العالم” و”الاتحاد الاشتراكي” و”لوبينيون” في أوج انتشارها.
فكر أحوجيل في الصحفي الراحل خالد الجامعي، “المجاهد المناضل والصحفي البارز والسياسي المحنك”. توجه إلى مقر جريدة “لوبينيون” في شارع بن عبد الله دون موعد مسبق. يصف اللقاء: “لم يكن هناك سكرتيرة أو بواب، فالرجل كان متواضعاً جداً. دققت الباب فوجدته يتصفح بعض المقالات”.
عندما شرح أحوجيل قضيته، سأله الجامعي عن دوره فيها، فأجاب بذكاء: “أنا في هذه القضية جملة مفيدة: أنا الفعل والفاعل والمفعول به”. ضحك الجامعي وبدأ يستمع بجدية.
بعد نصف ساعة من الحديث، أخذ الجامعي الكتاب، لكنه قال جملة بقيت راسخة في ذهن أحوجيل: “هناك ثلاثة أشياء لا تؤمنها: البحر والزمان والمخزن”. ثم أضاف محذراً: “ستعرف المخزن قريباً”.
رغم التحذير، وعده الجامعي بكتابة تقديم للكتاب، وأرشده إلى الصحفي عبد العزيز كوكاس الذي كان له دور محوري في ربط الاتصال مع عبد الله البقالي مدير “العالم” وعبد الحميد الجماهري من “الاتحاد الاشتراكي”.
أجرت هذه الصحف حوارات مكثفة مع أحوجيل استمرت 15 يوماً، ما منح الكتاب زخماً إعلامياً هائلاً. يقول بامتنان: “أحيي هؤلاء الصحفيين من هذا المنبر، فقد دعموني في وقت كانت فيه الصحافة المكتوبة هي السلطة الحقيقية، قبل عصر المواقع الإلكترونية”.
قصة بناصر أحوجيل مع كتابه ليست مجرد رواية عن مؤلف وكتاب، بل هي شهادة على زمن كانت فيه الكلمة سلاحاً والصحافة منبراً للحقيقة. إنها أيضاً تذكير بأهمية الشجاعة في مواجهة التهديدات، وبقيمة الصداقات الحقيقية والدعم المتبادل بين المثقفين والسياسيين.
اليوم، وبعد عقود من تلك الأحداث، لا يزال أحوجيل يتذكر بامتنان كل من ساعده في تلك الرحلة: من الراحل المحجوبي أحرضان الذي زرع الفكرة، إلى مدير المطبعة الذي طبع الكتاب، وصولاً إلى الصحفيين الذين آمنوا برسالته ونشروها.