سلط الوزير السابق والمحلل الاقتصادي، محمد سعيد السعدي، الضوء على حراك “جيل Z” الأخير في المغرب، مقدمًا قراءة معمقة لأسبابه ومآلاته، وربطه بسلسلة من الحركات الاحتجاجية التي شهدها المغرب منذ “حركة 20 فبراير”.
يرى السعدي أن هذه الاحتجاجات، وإن بدت مختلفة في الشكل، إلا أنها تشترك في جوهر واحد: عدم الاستجابة لمطالب الشباب وتأزم الوضع الاقتصادي والاجتماعي.
ولم يستغرب السعدي خلال حلوله ضيفا على بودكاست “بوصلة” خروج الشباب للتعبير عن مطالب مشروعة، معتبرًا أن حركة 20 فبراير لم تُلبِ جميع طموحاتها، رغم التقدم الذي أحدثه دستور 2011.
ويشير إلى أن “الأساس ديال النظام السياسي لم يتغير، وهناك تركيز للسلطة على مستوى الهرم السياسي في المغرب لازال”. إلى جانب ذلك، تفاقمت الأوضاع بفعل “تغول رأسمالية المحاسيب” واعتماد سياسات تقشفية، خاصة في قطاع الصحة، وهو ما يؤكد استمرارية الأسباب التي أدت إلى انفجار 20 فبراير، وصولًا إلى حراك “جيل Z”.
ويوضح السعدي أن حراك “جيل Z” وإن كان يركز على قضايا محددة مثل التعليم، الصحة ومحاربة الفساد، دون التركيز على الديمقراطية والنظام السياسي بشكل مباشر، إلا أنه “سياسي في العمق”. فالمطالبة بالصحة قبل المونديال هي “اختيارات سياسية تطال بمراجعة طريقة تدبير الحكم في المغرب”. وتتجلى الهوة بين هذه المطالب والواقع في التركيبة الحالية للبرلمان، وغياب التمثيل الحقيقي للشباب فيه.
يرفض السعدي نظرية المؤامرة التي يروج لها البعض حول حراك “جيل Z”، مؤكدًا أن هذه الظاهرة ليست حكرًا على المغرب، بل تمتد لتشمل دولًا مثل نيبال، إندونيسيا، والفلبين، فيما يُعرف بـ”الربيع الآسيوي”.
ويشدد على وجود “عوامل داخلية موضوعية” تدفع الشباب للاحتجاج، مستندًا إلى إحصائيات بنك المغرب والمندوبية السامية للتخطيط التي تؤشر إلى قلق اجتماعي متزايد. فنسبة البطالة بين الشباب تبلغ 47%، وهناك 4 ملايين مغربي تتراوح أعمارهم بين 15 و30 سنة لا يعملون ولا يدرسون ولا يتلقون أي تكوين مهني.
أوضح السعدي الوضع من خلال مثال مدينة سيدي سليمان، حيث أغلق معمل لتكرير السكر بعد الخصخصة، ليحل محله مركب تجاري كبير. في هذا السياق، يعمل الشباب في المقاهي أو الفتيات في الحقول الزراعية بأجور زهيدة. هذه المشاريع التصديرية لا تخلق فرص عمل كريمة أو مستقرة، مما يدفع الشباب إلى دوامة من القلق حول قدرتهم على توفير العيش الكريم وتأسيس عائلة. ويؤكد السعدي أن الحديث عن الاقتصاد لا يجب أن يقتصر على نسب النمو، بل يجب أن يركز على “تأثيره على مستوى عيش الإنسان والمواطن البسيط، وخاصة الشباب”.
يشدد السعدي على أن جيل Z، الذي يضم الفئة العمرية ما بعد 1997، يطلب بدوره فرص عمل وخدمات اجتماعية أساسية. وينتقد السياسات التي أدت إلى “خصخصة” قطاع الصحة وتحويله إلى “قطاع مربح”، متسائلًا عن مدى تناقض هذه السياسات مع شعار “الدولة الاجتماعية”. فرغم بعض التحسن في مؤشرات التنمية المستدامة، لا تزال الدولة الاجتماعية، التي يجب أن توفر خدمات عمومية في الصحة، التعليم، والتشغيل والحماية الاجتماعية، تعاني.
ويعتبر السعدي أن الحكومة الحالية فشلت في تحقيق أولوياتها في التعليم، الصحة، والتشغيل. ويستغرب من خروج الشباب في الرباط مطالبين برحيل المسؤولين، معتبرًا أن “المنطق” يدفع إلى التساؤل عن جدوى تسريع تنفيذ سياسات عمومية ثبت فشلها.
ويقدم أرقامًا صادمة عن الخصاص في قطاع الصحة (32 ألف طبيب و67 ألف ممرض وممرضة)، وتراجع عدد العاملين في القطاع والأسرة الاستشفائية، في مقابل سن قوانين تفتح المجال أمام “مجموعات مالية” تسعى للربح
ويعود السبب في ذلك إلى طبيعة هذه الصناعات التي تركز على “التركيب” وتعتمد على يد عاملة بسيطة، دون أن تخلق “آثار صناعية” حقيقية أو قيمة مضافة للاقتصاد المحلي.
يطرح شعار “ما بغيناش المونديال، بغينا السبيطارات” سؤالًا جوهريًا حول أولويات الدولة والمجتمع. يرفض السعدي بناء أربعة ملاعب في الرباط، معتبرًا أن “المونديال” سيفيد أساسًا “المجموعات المالية والصناعية الكبرى”، وليس الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تخلق فرص العمل. ورغم أن المونديال قد يحقق “طفره اقتصادية” ونموًا، إلا أن تأثيره على مستوى عيش المواطن البسيط سيكون محدودًا، كما حدث في تجارب دول أخرى (البرازيل، جنوب أفريقيا، ألمانيا).
في ظل غياب الأحزاب، وتولي الحكومات المتعاقبة تنفيذ “المشاريع الملكية”، يطرح السعدي ضرورة “الملكية البرلمانية” كحل للفصل بين السلطات وتحديد المسؤوليات. فغياب “البصمة” الحقيقية للأحزاب يفتح الباب أمام “الريع السياسي” والتغول في المشهد، حيث يتم توزيع المناصب والمنافع دون مساءلة حقيقية.
أوضح السعدي أن الشباب، الذي يعيش في ظل “ثقافة الهمزة”، وتغول الفساد، وتراجع دور المؤسسات الرقابية، يفقد الثقة في الأحزاب السياسية، ويزداد إيمانه بأن “الملك هو الخلاص الوحيد”. وهذا ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي ويهدد بتأجيل الإصلاحات الضرورية.
في ختام حديثه، وجه محمد سعيد السعدي رسالة واضحة إلى “جيل Z”، قائلًا: “استمروا، أنتم على حق، الحق معكم وكونوا صامدين وموحدين وملتحمين، وبعدوا على كل شيء يمكن يجيب لكم الشبهة ديال تدخل خارجي كما يقال أو عنف أو خروج عن الطبيعة السلمية للحركة”. هي دعوة لمواصلة النضال السلمي، والتأكيد على شرعية المطالب، في سبيل بناء مغرب أفضل، تلتقي فيه طموحات الشباب مع سياسات تحقق العدالة الاجتماعية والكرامة.