استعرضت بعثة الاتحاد الأوروبي في المغرب والبنك الأوروبي للاستثمار، خلال ندوة صحافية بالرباط يوم الثلاثاء، حصيلة سنة “استثنائية” من الشراكة الاستراتيجية لعام 2025، واضعةً خارطة طريق طموحة لعام 2026 الذي يصادف الذكرى الثلاثين لتوقيع اتفاق الشراكة التاريخي بين الجانبين.
شكل الموقف السياسي للاتحاد الأوروبي أحد أبرز نقاط الندوة؛ حيث أكد سفير الاتحاد الأوروبي الجديد بالرباط، ديميتير تزانتشيف، أن بروكسيل تدعم بشكل رسمي الجهود الأممية والمفاوضات المستندة إلى مبادرة الحكم الذاتي المغربية. ووصف تزانشيف المبادرة بأنها “الحل الأكثر واقعية للتوصل إلى تسوية نهائية”، مشيداً بقرار مجلس الأمن رقم 2797، ومؤكداً وحدة الدول الأعضاء الـ27 في الرغبة في تعزيز هذه الشراكة.
كشفت البيانات الرسمية عن حجم تعبئة مالية غير مسبوق؛ حيث بلغ مجموع التمويلات الأوروبية الجارية في المغرب ما قيمته 1727 مليون أورو (أزيد من 17 مليار درهم)، موزعة على 153 عملية. ويشكل “دعم الميزانية” العمود الفقري لهذا التعاون بقيمة 1210 مليون أورو، مخصصة لمواكبة الإصلاحات المؤسساتية الكبرى.
وخلال سنة 2025 وحدها، تم صرف 332.37 مليون أورو كأداءات مباشرة، شملت تمويلات للمجتمع المدني ومشاريع وبرامج حيوية، مما يعكس الأداء المتميز والقدرة العالية للمملكة على استيعاب وتنزيل المشاريع المشتركة.
توزعت التمويلات الأوروبية لتلمس القطاعات الأكثر حيوية في المغرب، ومن أبرزها: الإدماج الاجتماعي: عبر برنامج “كرامة” الذي خصص 292 مليون درهم لمواكبة إصلاح الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، الانتقال الأخضر من خلال برنامج “الأرض الخضراء” الموجه للفلاحة المستدامة (858 مليون درهم)، ودعم تحديث سوق الكهرباء، البحث العلمي عبر برنامج (ESRIM) لتسريع تكوين الباحثين وربطهم بسوق الشغل.
في تطور لافت، أكد ممثل البنك الأوروبي للاستثمار، أدريان دو باسومبيير، أن البنك “يحلل حالياً آليات دعم الساكنة في أقاليم الصحراء المغربية”، مع التركيز على مشاريع الطاقة المتجددة التي تترك أثراً إيجابياً مباشراً على السكان المحليين. وفي سياق آخر، أوضح أن البنك لم يعد يمول مشاريع الوقود الأحفوري (بما فيها أنبوب الغاز الأطلسي)، التزاماً بمعاييره البيئية الجديدة.
وصف السفير تزانشيف المغرب بأنه “شريك استراتيجي لا غنى عنه” في قضايا الهجرة، الأمن، ومكافحة الإرهاب، مبرزاً دوره المحوري كجسر للتعاون الثلاثي نحو القارة الإفريقية. كما أشاد بالمساهمة المغربية في “ميثاق المتوسط” الذي أُطلق نهاية 2025، والذي يتضمن مبادرات رائدة مثل “جامعة متوسطية” ونظام إنذار مبكر للكوارث يعتمد على الذكاء الاصطناعي.
تتجه الأنظار في عام 2026 نحو ملفين ساخنين؛ الأول هو “اتفاقية الصيد البحري” التي أكد الجانب الأوروبي وجود رغبة قوية في بدء مفاوضات جديدة بشأنها، والثاني هو “خارطة طريق التشغيل” التي تهدف إلى معالجة بطالة الشباب عبر آليات “التمويل المختلط” وتسهيل وصول المقاولات الصغرى للتمويل.
إن حصيلة 2025 وآفاق 2026 تؤكد أن العلاقة بين الرباط وبروكسيل تجاوزت منطق “المانح والمتلقي” إلى “شراكة المصير المشترك”. ومع اقتراب الاحتفال بمرور ثلاثة عقود على اتفاق الشراكة، يبدو أن المغرب نجح في تحويل موقعه الجيوسياسي إلى قوة دفع اقتصادية وسياسية، تجعل منه الشريك الأول والأساسي للاتحاد الأوروبي في الضفة الجنوبية للمتوسط.