لطالما شكلت مكانة المرأة في المجتمع الحساني لغزاً جميلاً للباحثين في السوسيولوجيا؛ فهي “السلطانة” في بيتها، والشريكة التي لا يُقطع أمر دون مشورتها، في نظام اجتماعي يُعلي من شأنها إلى حد التقديس. هذا الإرث التاريخي الذي جعل من المرأة الصحراوية محور الكون في مجتمعها، هو ذاته الذي يمنحها اليوم تلك الثقة العالية وهي تقتحم مجالات كانت إلى عهد قريب حكراً على الرجال، مؤكدة أن القوة التي كانت تدير بها “الخيمة” قادرة على قيادة مجتمع بأكمله نحو آفاق التحديث والازدهار.
مكانة استثنائية: “المرأة هي السلطان”
يتميز المجتمع الحساني بكونه مجتمعا يُعلي من شأن المرأة بشكل قد لا يتوفر في مجتمعات أخرى. فمن الناحية التاريخية، كانت المرأة هي المسيرة الوحيدة لشؤون “الخيمة” في غياب الرجال المرتبطين بالرعي أو التجارة، مما أكسبها قدرة فائقة على التدبير والقيادة.
وفي هذا السياق، تقول الباحثة في التراث الصحراوي، السالكة: “في مجتمعنا، المرأة ليست ملحقة بالرجل، بل هي قطب الرحى. فمنذ القدم، كانت هي من تعلم الأطفال، وتدير شؤون القبيلة، وتحمي التراث الشفهي من خلال الشعر (لكطاع). نحن نؤمن بأن إكرام المرأة هو مقياس لرجولة الرجل ووقار الأسرة”.
احتفاء اجتماعي فريد: “ظاهرة الطلاق” نموذجاً
من أغرب ما يثير إعجاب الأنثروبولوجيين في المجتمع الحساني هو النظرة إلى المرأة المطلقة، فعلى عكس كثير من المجتمعات العربية، لا يُنظر للطلاق كوصمة عار، بل غالباً ما تُقام “حفلات” تسمى “تحراش” للاحتفاء بالمرأة العائدة إلى بيت أهلها، تأكيداً على أنها ما زالت مرغوبة ومكرمة.
حول ظاهرة الاحتفاء بالطلاق في الصحراء، أوضحت الدليمي أن الأمر يتجاوز “الفرح” بمفهومه الضيق، ليكون بمثابة إعلان اجتماعي (Publicité)، ففي زمن ما قبل وسائل التواصل الاجتماعي، كان “تبريز” المرأة المطلقة بمثابة خبر رسمي يصل إلى القبائل والفرقان المجاورة بأن “فلانة” عادت “صايبة” (عزباء)، وهي دعوة خفية لفتح باب الخطبة من جديد. واعتبرت الدليمي أن هذا التقليد يمنع العزلة عن المرأة ويجعل انتقالها من خيمة إلى خيمة (من أسرة لأسرة) أمراً طبيعياً ومحموداً.
يؤكد المهتم بالثقافة الحسانية، محمد سالم، في تصريحه لموقع “فبرايركوم”: “المرأة الحسانية تتمتع بحرية اجتماعية نادرة، فالطلاق في ثقافتنا هو بداية حياة ثانية وليس نهاية. هذا التقليد يعكس مدى تقدير كرامة المرأة ورفض كسر خاطرها، مما جعلها دائماً قوية الشخصية ومستقلة فكرياً، وهو ما يفسر نجاحها اليوم في تقلد مناصب المسؤولية الكبرى”.
من “الخيمة” إلى “البرلمان”
لم يمنع التمسك بالتقاليد، مثل ارتداء “الملحفة” وطقوس الشاي (أتاي)، المرأة الصحراوية من الانخراط الكامل في المسار التنموي. فاليوم، نجد المرأة الحسانية في رئاسة المجالس البلدية، وعضوة في البرلمان، وسيدة أعمال تدير مشاريع كبرى في أقاليم الجنوب.
وتصرح مريم، وهي شابة جامعية من مدينة الداخلة: “نحن جيل الحداثة، لكننا لا نتخلى عن جذورنا، أدرس الهندسة وأطمح للسياسة، وفي الوقت ذاته أفتخر بـ البخور والنيلة وتقاليد أهلي. الحداثة بالنسبة لنا ليست التخلي عن الهوية، بل هي إثبات أن المرأة التي كانت تدير الخيمة في قلب الصحراء، قادرة اليوم على إدارة مؤسسات الدولة بنفس القوة”.
تحديات الراهن
يجمع مهتمون بشؤون الصحراء أن المرأة الحسانية تواجه تحديات مرتبطة بالعولمة وضرورة مواءمة القوانين الحديثة مع الأعراف المحلية الإيجابية. ويظل الرهان هو الحفاظ على ذلك “الوقار الهادئ” الذي يميز سيدة الصحراء، مع الاستمرار في كسب رهانات التعليم والمناصفة الفعلية.

