الرئيسية / نبض المجتمع / “برج محمد السادس”.. من معلمة عمرانية إلى قبلة حضرية تعيد تشكيل هوية الرباط

“برج محمد السادس”.. من معلمة عمرانية إلى قبلة حضرية تعيد تشكيل هوية الرباط

نبض المجتمع
فبراير.كوم 14 أبريل 2026 - 23:00
A+ / A-

لم يعد “برج محمد السادس” مجرد مشروع معماري ضخم يطل على ضفتي أبي رقراق، بل تحول إلى عنوان بارز لمرحلة جديدة في إعادة تشكيل الفضاء الحضري للعاصمة، ورمز دال على انتقال الرباط من مدينة إدارية تقليدية إلى قطب حضري متكامل يجمع بين الحداثة، الجاذبية الاقتصادية، والإشعاع الثقافي.

تدشين هذا الصرح من طرف ولي العهد مولاي الحسن، بتعليمات من محمد السادس، لا يحمل فقط بعداً بروتوكولياً، بل يعكس إرادة سياسية واضحة في ترسيخ نموذج عمراني جديد، يجعل من المشاريع الكبرى أدوات لإعادة توزيع الأدوار داخل المدينة، وربط التنمية الحضرية برهانات التنافسية الدولية.

بعلو يصل إلى 250 متراً، و55 طابقاً، يفرض البرج نفسه كأعلى معلمة في العاصمة، لكنه في العمق يتجاوز وظيفة “الارتفاع” الرمزي، ليؤسس لرهان متعدد الأبعاد، يجمع بين الاستثمار، السياحة، الثقافة، والخدمات. فالمشروع، الذي أنجزته مجموعة “O Capital Group”، صُمم ليكون فضاءً متعدد الوظائف، يضم فندقاً فاخراً، ومكاتب، وشققا سكنية، ومحلات تجارية، ومرافق ثقافية، ما يجعله بنية حضرية متكاملة وليس مجرد بناية شاهقة.

ويكتسب “برج محمد السادس” أهميته من موقعه الاستراتيجي داخل مشروع تهيئة ضفتي أبي رقراق، أحد أكبر الأوراش الحضرية التي أعادت رسم العلاقة بين مدينتي الرباط وسلا. فالمشروع يندرج ضمن رؤية “الرباط مدينة الأنوار، عاصمة المغرب الثقافية”، التي تسعى إلى تحويل العاصمة إلى واجهة حضرية حديثة قادرة على استقطاب الاستثمارات، وتعزيز السياحة، واحتضان الفعاليات الكبرى.

هذا التحول العمراني لا ينفصل عن البعد الرمزي للبرج، باعتباره “قبلة حضرية” جديدة، ليس فقط للسياح، بل أيضاً للمستثمرين والفاعلين الاقتصاديين. فوجود مرصد في أعلى البرج يتيح إطلالة بانورامية على المدينتين، يختزل فكرة الجمع بين الذاكرة والتجديد؛ حيث تحضر الأسوار التاريخية والقصبات العتيقة جنباً إلى جنب مع بنية معمارية تعكس انفتاح المغرب على نماذج البناء العالمية.

وعلى المستوى التقني، يعكس المشروع نقلة نوعية في معايير البناء، حيث يرتكز على أساسات عميقة تصل إلى 60 متراً، صُممت لتحمل التحديات الجيولوجية، ومقاومة الزلازل والفيضانات. كما تم تزويده بنظام متطور لتخفيف تأثير الرياح والاهتزازات، وهو ما يجعله نموذجاً للبناء الآمن في بيئات معقدة.

غير أن الرهان الأبرز الذي يحمله البرج يرتبط بالاستدامة، إذ يدمج في تصميمه تكنولوجيات حديثة في النجاعة الطاقية، من خلال استعمال الألواح الشمسية، وأنظمة استرجاع الطاقة، وتجميع مياه الأمطار، ما مكنه من الحصول على شهادات دولية مثل “LEED Gold” و“HQE”. وهو ما يعكس توجهاً نحو إدماج البعد البيئي في المشاريع الكبرى، بما يتماشى مع التزامات المغرب في مجال التنمية المستدامة.

من زاوية أخرى، يطرح هذا المشروع سؤال “إعادة توزيع الجاذبية داخل المدينة”، حيث لم تعد المراكز التقليدية وحدها هي الفضاءات الحاضنة للنشاط الاقتصادي، بل بدأت تتشكل أقطاب جديدة قادرة على استقطاب الرساميل والأنشطة. وفي هذا السياق، يُنتظر أن يلعب البرج دوراً محورياً في تحفيز الدينامية الاقتصادية بالمنطقة، وخلق فرص شغل، وتعزيز موقع الرباط ضمن شبكة المدن العالمية.

كما أن حضور علامات فندقية دولية مثل “والدورف أستوريا” داخل هذا الصرح، يعكس رهانا على الرفع من جودة العرض السياحي بالعاصمة، واستقطاب فئات جديدة من الزوار، في سياق تنافس المدن على جذب السياحة الراقية وسياحة الأعمال.

في المحصلة، لا يمكن قراءة “برج محمد السادس” فقط كإنجاز معماري، بل كأداة لإعادة تعريف المدينة، ومؤشر على تحولات أعمق تمس نمط التفكير في التخطيط الحضري بالمغرب. إنه انتقال من منطق التوسع الكمي إلى منطق الجودة، ومن مدينة وظيفية إلى مدينة متعددة الأبعاد، حيث تتقاطع الهوية، الاقتصاد، والبيئة في مشروع واحد.

بهذا المعنى، يتحول البرج إلى أكثر من معلمة، ليصبح قبلة حضرية جديدة، تعكس طموح الرباط في التموقع كمدينة حديثة، قادرة على الجمع بين أصالتها التاريخية ومتطلبات الحاضر ورهانات المستقبل.

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة