نجيب أقصبي: اسمي هدية من ثورة مصر وطفولتي طبعتها صرخات فدائيي المغرب
كان مهده يتأرجح على إيقاعين، إيقاع حكمة أبٍ سابق لعصره، رأى في التعليم كنزا لا يفنى ورأس مال لا يتبدد، وإيقاع صرخة مكتومة تتسرب من جدران القهر المجاورة، حيث كان أنين الفدائيين يُشكل اللحن الخفي لطفولته. صوتان، أحدهما يزرع الأمل في المستقبل، والآخر ينحت في وعيه البِكر أول مفاهيم العدالة والظلم، قبل أن يعرف لهما اسما أو تعريفا.
في حوار حميمي وشخصي مع موقع “فبراير.كوم”، كشف الخبير الاقتصادي المغربي المعروف، نجيب أقصبي، عن جوانب خفية من طفولته ونشأته، مسلطاً الضوء على أحداث وشخصيات شكلت وعيه المبكر ورسمت ملامح شخصيته التي عُرفت بالجدية والتحليل العميق.
استهل أقصبي حديثه بقصة اسمه الفريدة، والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأحد أهم الأحداث في تاريخ الوطن العربي الحديث.
وُلد نجيب أقصبي في 5 غست 1952، أي بعد أقل من أسبوعين على قيام ثورة 23 يوليوز في مصر، والتي قادها في بدايتها اللواء محمد نجيب، في ذلك الزمن، كان لصوت “راديو القاهرة” صدى واسع في بيوت المغاربة، الذين كانوا يتابعون بشغف أخبار الثورة.
ويروي أقصبي كيف أن أحد أصدقاء والده، متأثرا بالحدث الكبير، زار الأسرة ليبارك المولود الجديد، واقترح على والده أن يسميه “نجيب” تيمناً بالقائد المصري، فما كان من الوالد إلا أن استجاب قائلاً: “ليكن كذلك”. وهكذا، حمل أقصبي اسماً لم يكن شائعاً في المغرب آنذاك، ليصبح واحداً من الأسماء التي دخلت القاموس المغربي مع بداية الخمسينيات.
نشأ نجيب أقصبي في مدينة فاس العريقة، وتحديداً في حي “النجارين” على بعد أمتار قليلة من ضريح مولاي إدريس. وصف أسرته بأنها تنتمي إلى “البرجوازية المتوسطة”، حيث كان والده تاجراً للمواد والأجهزة المنزلية بالجملة والتقسيط، يمتد نشاطه التجاري لمئات الكيلومترات حول فاس.
لكن الثروة الحقيقية التي آمن بها الوالد لم تكن مادية. فقد غرس في أبنائه الستة وابنته الوحيدة قناعة راسخة بأن الإرث الأهم الذي سيتركه لهم هو التعليم.
يقول أقصبي: “قبل أن نعرف مصطلح رأس المال اللامادي، كان والدي يدرك أن التكوين والتعليم هو الذي سيضمن لنا شروط حياة كريمة”. هذه الفلسفة الأبوية المبكرة شكلت البوصلة التي وجهت مسار الأبناء نحو التحصيل العلمي بجدية.
لم تكن طفولة أقصبي سعيدة بالكامل، فقد تخللتها ذاكرة مؤلمة حفرت عميقاً في وجدانه. كانت دارهم في حي النجارين مجاورة لمبنى تحول إلى مركز شرطة (كوميسارية) للاستعمار الفرنسي، وهو المكان الذي كان يُقتاد إليه الفدائيون والمقاومون المغاربة للتحقيق والتعذيب.
يستحضر أقصبي، وهو لا يزال في الثانية أو الثالثة من عمره، كيف كان يخرج للعب في الساحة المجاورة، فتصل إلى مسامعه أصوات صراخ المعتقلين تحت وطأة التعذيب. يقول بتأثر: “هذه القضية طبعتني إلى حد الآن… لقد منحتني وعياً مبكراً ليس فقط بالاستعمار، بل بالاضطهاد والقمع والظلم واللاعدالة، أو ما نسميه بالحكرة”. هذه التجربة القاسية، رغم عدم قدرته على تحليلها آنذاك، شكلت نواة إحساسه بالظلم ورفضه له.
كان اللقاء الأول لأقصبي مع المدرسة متوتراً، إذ أدخلته أسرته وهو في سن الرابعة والنصف، قبل السن القانونية، رغبةً منها في تسريع مساره التعليمي. يروي ضاحكاً كيف أنه في يومه الأول، وبعد أن شعر بالارتباك، قذف بلوحته الخشبية نحو المعلم فأصابت قبعته الوطنية (الطربوش).
لكن سرعان ما تحول هذا التوتر إلى جدية والتزام. فبعد استقلال المغرب عام 1956، ساد حلم جماعي بأن التعليم هو الطريق الأوحد للتحرر والتقدم والتطور. ويؤكد أقصبي: “كان راسخاً في أذهان الجميع أن الطريق هو التكوين والتعليم”. وفي ظل هذه القناعة الوطنية، وفي كنف أسرة متعاونة وبيئة دراسية جادة أشرف عليها أساتذة فرنسيون، انطلق نجيب أقصبي في مساره التعليمي الذي سيقوده لاحقاً ليصبح أحد أبرز الخبراء في مجاله.
وهكذا، تتجلى في سيرة نجيب أقصبي المبكرة خيوط متداخلة من التاريخ والسياسة والقيم الأسرية والتجربة الإنسانية، والتي نسجت معاً شخصية اقتصادية فذة، لم تنس يوماً أن اسمها جاء من ثورة، وأن وعيها الأول تشكل على وقع آلام وطن يناضل من أجل حريته.

