دخلت النقاشات التشريعية حول القوانين التنظيمية المؤطرة للانتخابات التشريعية المقبلة مرحلة الحسم، بعدما تقدّمت مكونات المعارضة داخل مجلس النواب بحزمة واسعة من التعديلات التي تستهدف مراجعة جزء مهم من الترسانة القانونية المنظمة لانتخاب أعضاء الغرفة الأولى، وذلك في سياق يطبعه توجّه حكومي نحو اعتماد إصلاحات انتخابية جديدة قبل الاستحقاقات المنتظرة السنة المقبلة.
وبحسب المعطيات المتوفرة، بلغ عدد التعديلات التي تقدّم بها فريق التقدم والاشتراكية حوالي 32 تعديلاً، مقابل 17 تعديلاً للفريق الحركي، فيما اختارت المجموعة النيابية للعدالة والتنمية التقدّم بما مجموعه 90 تعديلاً، في خطوة تعكس رهان المعارضة على إعادة ضبط القواعد الانتخابية وتعزيز ضمانات النزاهة والشفافية وتحصين الحقوق السياسية للمترشحين والناخبين.
وتوزعت التعديلات على مشاريع القوانين التنظيمية الثلاثة، والتي تهمّ القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، والقانون التنظيمي رقم 57.11 الخاص باللوائح الانتخابية وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الإعلام السمعي البصري، إلى جانب القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية.
وفي ما يرتبط بأهلية الترشح لانتخابات مجلس النواب، دعت المعارضة إلى حذف حالة “التلبّس” من موانع الأهلية، وربط حرمان المترشح من التقدم للانتخابات بصدور حكم نهائي بالإدانة في جناية أو جنحة.
واعتُبر هذا التعديل—خصوصاً من طرف فريق العدالة والتنمية—ضمانة أساسية لاحترام قرينة البراءة وتفادي تحويل الأحكام الابتدائية إلى وسيلة لإقصاء خصوم سياسيين قبل استنفاد درجات التقاضي.
كما أثارت المجموعة النيابية للعدالة والتنمية الجدل باقتراحها إسقاط أهلية المترشح الذي تخلّى عن انتمائه الحزبي أو الفريق النيابي قبل سنة من الانتخابات، معتبرة أن “الترحال السياسي” يخلّ بثقة الناخبين، ويقوّض وضوح المشهد التمثيلي.
وفي سياق متصل، طالبت المجموعة ذاتها بإلغاء المادة 51 مكرّرة التي تفرض عقوبات حبسية على ناشري “الأخبار الزائفة” المتعلقة بالانتخابات، معتبرة أن مقتضيات القانون الجنائي كافية لمعالجة التشهير، وأن العقوبات المقترحة “تمسّ بحرية التعبير وتضعف النقاش العمومي”. كما دعت إلى تخفيف العقوبات الواردة في المادة 38 عبر استبدال السجن بالغرامات.
من جهته، تقدّم الفريق الحركي بتعديلات تخصّ القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، من بينها التنصيص على استفادة الأحزاب من “نصف الدعم العمومي” في حال تنظيم مؤتمر استثنائي يعيد انتخاب القيادة نفسها، إضافة إلى تمديد آجال إيداع حسابات الحملات الانتخابية من 30 إلى 60 يوماً لإتاحة وقت أكبر للأحزاب لتسوية وضعيتها المالية.
أما فريق التقدم والاشتراكية فقد شدّد على ضرورة استفادة الأحزاب من الدعم العمومي عند تنظيمها مؤتمرات استثنائية تؤدي إلى انتخاب أجهزة وطنية جديدة، مع الدعوة إلى تعزيز الموارد الذاتية للأحزاب عبر المساهمات المالية للمنتخبين والأطر الذين يشغلون مناصب عمومية باسم الحزب.
وتجتمع لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة بمجلس النواب، يوم الخميس، للحسم في هذه التعديلات والتصويت على مشاريع القوانين التنظيمية برمّتها، وذلك بعد جلسات نقاش تفصيلي بحضور وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت.
وتندرج هذه الدينامية التشريعية في إطار التحضير المبكر للانتخابات التشريعية المقبلة، وسط نقاش وطني واسع حول قواعد المنافسة السياسية، وتمثيلية الأحزاب، وأثر التعديلات المقترحة على تعزيز الثقة في المؤسسات والعملية الانتخابية.