الرئيسية / F Plus / "طبيب الفقراء".. رحل وفي قلب كلميم جرح

"طبيب الفقراء".. رحل وفي قلب كلميم جرح

طبيب الفقراء
F Plus
فريد أزركي 30 مارس 2026 - 10:00
A+ / A-

“طبيب الفقراء”.. رحل وفي قلب كلميم جرح

لم يكن يحمل بعدُ شهادته الكاملة، لكنه حمل منذ البداية ما هو أثمن منها: قلبا يعرف كيف يسمع، ويدا تعرف متى تمتد.

في مدينة كلميم، حيث الجنوب يلتقي بذاكرة الصحراء وبساطة الناس، وُلد أحمد رابح، في 03 من يوليوز عام 2004،  ورحل في ربيع عام ألفين وستة وعشرين، وهو في الوحد والعشرين من عمره، قبل أن يُكمل ما بدأه، لكن بعد أن ترك ما يكفي ليُذكر.

في المدن الكبرى، يحمل الأطباء ألقابهم من مدارجهم الأكاديمية، أما في كلميم، فقد منحت أحمدَ رابح لقبه، من تلقاء نفسها، بلا حفل تخرج ولا إفراج رسمي، “طبيب الفقراء” كما عُرف في محيطه، ليس لأنه اختار العمل في مستشفى بعيد، بل لأنه اختار أن يكون قريبا، دائما قريبا.

كان لا يزال في طور بدايات الممارسة، بين طالب الطب ومشروع الطبيب، وهو فارق يعرفه المعنيون جيدا، غير أن الناس لم يروا فيه مشروعا ناقصا، بل رأوا فيه إنسانا مكتملا. وبين هذين الوصفين تكمن قصته.

من التقاه يصفه بالتواضع أولاً، قبل أي شيء آخر. لم يكن من هؤلاء الشباب الذين تُضخّمهم شهاداتهم وتباعدهم عن محيطهم. كان يستقبل الناس بابتسامة لم تكن تكلفاً ولا بروتوكولاً، بل كانت عادةً أصيلة، جزءاً من طريقة نظره إلى العالم.

يتحدث من عايشوه عن رجل شاب يجلس مع المسن كما يجلس مع الطفل، يصغي للمريض الذي يخجل من ألمه كما يصغي لمن يصرّح به.

غير أن القدر وفي أواخر مارس من عام ألفين وستة وعشرين، “دوّى خبر وفاته المفاجئة” في أرجاء كلميم كما “تدوي الصدمات” التي لا يُتوقعها أحد، تلك النوع من المصائب التي تُخرس الكلام لحظة، ثم تفتح السيول.

شُيّعت جنازته في المسجد الأعظم بالمدينة، بعد صلاة الظهر، وكان الحضور كثيفا، ليس بالمعنى العددي، بل بالمعنى الإنساني. جاء من جاء لأنه شعر بأنه خسر شيئا شخصيا، حتى من لم يكن يعرف أحمد معرفة وثيقة كان يعرف حضوره في المدينة، ذلك الحضور الخفيف والدافئ الذي يملأ المكان دون ضجيج.

انتشر الخبر على صفحات محلية ووطنية، وتدفقت التعليقات والمنشورات حاملةً شهادات من كل اتجاه، لتجسد استعادة جماعية لصورة شاب رسّخ نفسه في وجدان مجتمعه بهدوء وبلا استعراض.

في شهادات من عرفوه، تتكرر كلمات بعينها: متفوق، متواضع، متطوع، إنساني. وما يلفت أن هذه الصفات لا تُساق بالتضاد، بل تُساق متكاملةً، كأن الناس يصفون شخصا لم يشعر يوما بالتعارض بين الطموح والإنسانية.

كان أحمد رابح حسب من عرفوه “من تلك الفئة النادرة التي لا تحتاج إلى حادثة كبرى أو تضحية استثنائية لتترك أثراً، ثأثيره تراكم في التفاصيل: في وقفة هنا، وكلمة طمأنة هناك، وفي أن يكون الشخص الذي يلجأ إليه من لا يجد سواه”.

ثمة مفارقة في قصة أحمد تشبه المفارقات التي تصنعها الحياة حين تتجاوز المنطق: رحل قبل أن يحمل لقبه رسمياً، لكنه عاش كل ما يعنيه ذلك اللقب. مُنح الاعتراف الشعبي قبل الاعتراف الرسمي، وهو نوع من الاعتراف أصعب نيلاً وأبقى أثراً.

كلميم تودّع شابها بالكلمات، لكن الذين عرفوه يعرفون أن ما تركه لا تسعه الكلمات. إنه ذلك الشعور الذي يأخذك حين يغيب شخص كان يُشعرك بأن العالم لا يزال يستحق الثقة.

رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته.

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة