دخلت المواجهة في الشرق الأوسط مرحلة جديدة من “الحرب الكلامية” والجمود الدبلوماسي المحفوف بالمخاطر، حيث وضعت طهران الإدارة الأمريكية أمام خيارين أحلاهما مر، بالتزامن مع تلويح الرئيس دونالد ترامب برفض مقترحات التسوية الأخيرة، في وقت لا يزال فيه صبيب النفط العالمي يكتوي بنيران الحصار البحري المتبادل.
في بيان شديد اللهجة عكس ثقة متزايدة، أكدت استخبارات الحرس الثوري الإيراني، الأحد، أن هامش المناورة أمام واشنطن قد تقلص إلى حدوده الدنيا. ووفقاً للرؤية الإيرانية، فإن الرئيس ترامب بات محاصراً بين خيارين: إما الانزلاق نحو “عملية عسكرية مستحيلة” نظراً للتعقيدات الميدانية وتغير موازين القوى الدولية، أو القبول بـ”صفقة سيئة” تنهي الحرب بشروط طهران.
هذه النبرة عززها مستشار المرشد الأعلى العسكري، محسن رضائي، الذي ذهب بعيداً في تهديداته بوصفه الولايات المتحدة بـ”القرصان الأكبر”، متوعداً بتحويل حاملات الطائرات الأمريكية في المنطقة إلى “مقابر عائمة”، في إشارة إلى امتلاك طهران قدرات نوعية قادرة على تحييد التفوق البحري الأمريكي.
في المقابل، لم يتأخر الرد من واشنطن؛ فمن منبره على “تروث سوشال”، أبدى الرئيس ترامب تشاؤماً حيال المقترح الإيراني المكون من 14 بنداً والذي تسلمه عبر الوسيط الباكستاني. ورغم تأكيده على مراجعة المقترح، إلا أنه اعتبره “غير مقبول”، رابطاً أي تسوية بدفع إيران لثمن ما وصفه بـ”الجرائم بحق الإنسانية على مدى 47 عاماً”.
وتشير التقارير إلى أن المقترح الإيراني الذي يطالب بانسحاب كامل للقوات الأمريكية، ورفع العقوبات، ودفع تعويضات مالية، تعمد تجاهل “الملف النووي”، وهو الخط الأحمر الذي تصر عليه واشنطن وتل أبيب كشرط أساسي لأي وقف دائم للأعمال العدائية.
ميدانياً، لا يزال وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 8 أبريل الماضي هشاً للغاية، خاصة على الجبهة اللبنانية. فالجيش الإسرائيلي يواصل سياسة الهدم الممنهج في القرى الحدودية، معلناً عن إقامة ما يسمى بـ”الخط الأصفر” لعزل الجنوب، في خطوة رد عليها حزب الله باستهدافات مستمرة للقوات الإسرائيلية. الإنذارات العاجلة بالإخلاء التي صدرت الأحد تؤكد أن المنطقة لا تزال تعيش حالة حرب حقيقية رغم “الهدنة الورقية”.
الاقتصاد العالمي بدوره لم ينجُ من شظايا هذا النزاع؛ فأسعار النفط التي تحوم حول مستويات عام 2022 تضع إدارة ترامب في موقف داخلي صعب. ومع اقتراب انتخابات منتصف الولاية، يواجه الجمهوريون سخطاً شعبياً متزايداً جراء ارتفاع أسعار الوقود، مما يقلص من قدرة ترامب على الاستمرار في سياسة “اللاحرب واللاسلم” لفترة طويلة.
وبينما تدور المعارك الدبلوماسية في الخارج، يواصل النظام الإيراني تشديد قبضته الأمنية في الداخل. إعلان السلطة القضائية عن تنفيذ أحكام إعدام جديدة بحق مشاركين في الاحتجاجات الشعبية وأشخاص اتهموا بالتجسس لصالح إسرائيل، يبعث برسالة واضحة مفادها أن النظام لن يتسامح مع أي اهتزاز للجبهة الداخلية تحت ضغط الحرب أو الحصار.
يبقى الشرق الأوسط معلقاً في “قاعة انتظار” دولية بين إسلام آباد وواشنطن وطهران. فإما أن تنجح الضغوط الاقتصادية والسياسية في إجبار الأطراف على “تنازلات مؤلمة”، أو أن الجمود الراهن ليس إلا استراحة محارب تسبق جولة ثانية من الصدام الذي قد لا تنجح حاملات الطائرات ولا الصواريخ الباليستية في حسمه هذه المرة.