في ليلة احتفاء استثنائية، جمعت مؤسسة الفقيه التطواني ثلة من الوجوه البارزة في المشهد الإعلامي والسياسي المغربي، لتكريم صحفية لم تختر المسارات السهلة، ولم تستسلم للأنماط الجاهزة، بل نحتت اسمها في صخر الصحافة الاستقصائية، متحديةً القيود ومتجاوزةً الخطوط الحمراء. مرية مكريم، اسم ارتبط بالشجاعة الصحفية، بالقلم الحر، وبالتحقيقات التي تزعج، لكنها تكشف الحقيقة.

وسط التصفيق الحار، تقدمت الإعلامية فاطمة الإفريقي لتقديم شهادتها في حق المحتفى بها، بكلمات تشهد لمسار استثنائي وتاريخ صحفي حافل بالمواجهات.

“مارية مكريم لم تكن يوماً صحفية تقليدية”، قالت الإفريقي، قبل أن تضيف: “اختارت أن تخرج عن السرب، أن تكسر قلاعاً إعلامية محصنة بأعراف ذكورية، وأن تتحدى التقسيم التقليدي للأدوار داخل المهنة، لم تقبل أن تكون مجرّد صوت ناعم يتحدث عن قضايا الجمال والموضة، بل قررت أن تحفر اسمها في الصحافة السياسية والتحقيقات الجريئة، حيث التماس المباشر مع السلطة، وحيث الخطورة هي الثمن الدائم”.

هذه الكلمات لم تكن مجرد إشادة، بل تأكيد على مسار حافل بالتحديات،  مارية مكريم لم ترضخ للصورة النمطية التي رسمها المجتمع للصحفيات، حيث المهنة تُقدَّم لهن كزينة إعلامية ناعمة، بل اختارت أن تنافس الصحفيين الرجال في قلب معارك الإعلام الحقيقية، في ملفات حساسة، في قضايا تمس شبكات النفوذ الكبرى، في أماكن لا تدخلها إلا من تملك الشجاعة الكاملة.

وتابعت الإفريقي، وهي تستعرض مسيرة مكريم الاستقصائية: “مارية لم تكتب عن السياسة فقط، بل كانت صوتاً في مواجهة الفساد والجريمة العابرة للحدود. حققت في شبكات الاتجار بالبشر، وكشفت خبايا الدعارة المنظمة في الشرق الأوسط، واخترقت لوبيات الصيد في أعالي البحار، بل كانت من أوائل الصحفيين الذين كشفوا عن ممارسات التعذيب في مراكز الاعتقال السرية. كل ذلك، جعلها هدفاً للمضايقات والمتابعات، لكنها لم تتراجع، ولم تتنازل”.

أن تكوني صحفية في المغرب، فهو تحدٍّ في حد ذاته، لكن أن تكوني صحفية استقصائية، فهو قرار بالمخاطرة، وهو ما جعل اسم مارية مكريم واحداً من الأسماء اللامعة التي طبعت الصحافة المغربية والعربية.

لكن اللافت في مسيرتها، كما تقول الإفريقي، هو قدرتها على الموازنة بين الصحافة كالتزام مهني والصحافة كفعل نضالي، لم تحرق كل المراكب، ولم تدخل في مواجهات صفرية، بل استطاعت أن تحافظ على احترامها بين جميع الأطياف السياسية، رغم أنها تجاوزت في كثير من الأحيان الخطوط الحمراء، وأغضبت أكثر من جهة.

والدليل حسب الإعلامية فاطمة الإفريقي في إحدى المناسبات الإعلامية، جمعت على طاولة واحدة شخصيات سياسية من مختلف الاتجاهات، في مشهد قلّما ينجح فيه أي فاعل إعلامي”.

مارية مكريم، كما يصفها كثيرون، ابنة الزمن الذهبي للصحافة المغربية، ذاك الزمن الذي شهد حرية أوسع، وتعدداً في خطوط التحرير، وصحافة مستقلة تُعبّر دون خوف، غير أن هذا الزمن، كما تقول الإفريقي بأسف، “أُغلق قوسه، ونحن اليوم نعيشه بالكثير من النوستالجيا. لا مؤشرات على عودته، ولا أفق يلوح في الأفق”.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل كان حظاً سعيداً أم سوء طالع أن تولد مارية مكريم في تلك المرحلة الخصبة من تاريخ الصحافة، ثم تجد نفسها اليوم في زمن يضيق فيه الهامش وتزداد التحديات؟ بالنسبة للإفريقي، الإجابة واضحة: “تسلق الحرية نحو قمة أوسع، أفضل وأقل قسوة، من أن تولد حراً ثم تجد نفسك داخل قفص”.

غير أن هذا التكريم، لم يكن مجرد احتفاء باسم واحد، بل كان لحظة للاعتراف بمسيرة كل النساء اللواتي اخترن الصحافة كمهنة. “أن تكوني امرأة هو في حد ذاته هوية مثقلة بالقيود”، تقول الإفريقي، “لكن أن تكوني امرأة وصحفية، فذلك تحدٍّ مضاعف، حيث عليك أن تثبتي نفسك ليس فقط أمام السلطة، بل أيضاً أمام المجتمع، وأمام النظرة النمطية التي تحاول حصر المرأة الصحفية في أدوار معينة”.

الصحافة، كما تختم الإفريقي، تحتاج إلى المعرفة والتكوين والاحترافية، لكنها تحتاج أيضاً إلى الحرية، لأنها بدونها تفقد روحها وجدواها.

وفي هذه الليلة، كانت مارية مكريم تجسيداً لهذا المعنى، اسمٌ أثبت أن الصحافة لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن الحرية، حتى حين يكون ثمنها باهظاً، تظل الخيار الوحيد للصحفي الحقيقي.

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store