في حوار خاص مع موقع فبراير، عاد مصطفى المعتصم، الأمين العام لحزب البديل الحضاري، إلى سنوات طفولته وشبابه بمدينة الدار البيضاء، مستحضراً الأجواء التي طبعت مساره الفكري والسياسي منذ نشأته وحتى انخراطه في العمل التنظيمي.
المعتصم أوضح أنه نشأ في وسط شعبي بحي القريعة بالدار البيضاء، وسط أسرة متواضعة تتكون من سبعة إخوة، وبدأ مساره الدراسي من مدرسة الكريط للبنين قبل أن ينتقل إلى ثانوية الغزالي، ثم إلى ثانوية مولاي عبد الله التي اعتبرها إحدى أهم الفضاءات التعليمية في المغرب آنذاك.
وقد كان لهذه المرحلة دور حاسم في صقل وعيه السياسي، إذ تزامنت مع سياق إقليمي متوتر عقب هزيمة 1967، وما تبعها من تحولات كبرى في الفكر القومي واليساري العربي.
وأكد المعتصم أن النقاشات الفكرية والسياسية كانت حاضرة بقوة داخل بيته، حيث كان والده وأصدقاؤه يتداولون باستمرار قضايا الاستقلال وبناء الدولة المغربية، إضافة إلى متابعة الأحداث الإقليمية مثل اغتيال الزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد. هذه الأجواء الفكرية غذّت وعيه المبكر بالقضايا الوطنية والقومية، ورسخت لديه قناعة بأن جيله كان مطالباً ببناء المغرب على أسس جديدة بعد الاستقلال.
وعن تجربته في ثانوية مولاي عبد الله، كشف المعتصم أنه انخرط في الحراك الطلابي الذي كانت تشهده الثانويات في بداية السبعينيات، من إضرابات ووقفات ومظاهرات، حيث كان جزءاً من الخلية التلاميذية التي أسست النقابة الوطنية للتلاميذ. غير أن خلافه مع اليسار الراديكالي بسبب موقفه العدائي من الدين، دفعه للتفكير في تأسيس إطار بديل يزاوج بين الوعي السياسي والتشبث بالقيم الدينية.
وفي هذا السياق، يروي المعتصم أنه تلقى من أحد أصدقاء والده كتاباً بعنوان الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية، إلى جانب نسخة من كتاب معالم في الطريق لسيد قطب، ما شكّل لحظة مفصلية في مساره الفكري. ويضيف أن أول من أطلق عليهم تسمية “الإخوان المسلمين” في المغرب كان المناضل الراحل عبد اللطيف حسني، الذي تأثر بتجربتهم وبدورهم في الساحة الطلابية.
ويشدد المعتصم على أن فكرة “الإخوان المسلمين” في بدايتها بالمغرب كانت بسيطة جداً، ولم تتجاوز كونها محاولة من مجموعة من الشباب المتأثرين بالفكر الإسلامي لبناء تنظيم يوازن بين الالتزام الديني والعمل السياسي، بعيداً عن الصراع الإيديولوجي الحاد الذي طبع تلك المرحلة.
وفي حوار مطول مع موقع فبراير، عاد مصطفى المعتصم، الأمين العام لحزب البديل الحضاري، إلى مرحلة السبعينات التي شهدت تصاعد الصراع بين الطلبة الإسلاميين واليساريين داخل الجامعات والثانويات المغربية، مسلطا الضوء على سياقات سياسية واجتماعية شكلت أرضية لهذا التوتر، قبل أن تتحول الجامعة إلى ساحة لصراع فكري مفتوح.
المعتصم تحدث عن بداياته كتلميذ شاب نشأ في الدار البيضاء، في أجواء سياسية مشحونة بالنقاشات حول مستقبل المغرب بعد الاستقلال، وتأثير حرب 1967 على الوعي الجمعي للشباب. وأوضح أنه مع دخول ثانوية مولاي عبد الله ثم جامعة الرباط، وجد نفسه وسط نقاشات محتدمة بين التيارات الماركسية اللينينية من جهة، والصوت الإسلامي الناشئ من جهة أخرى.
وروى قائلا: “كنت أسير تجمعات طلابية كبرى بمدرج كلية العلوم، يحضرها مئات الطلبة، يساريون وإسلاميون، لكن الخلاف لم يكن يتحول إلى عنف، بل كان الفكر يواجه الفكر، وكان النقاش الفكري وسيلة للتحدي والتوسع في الرؤية”. وأضاف أن المرحلة تميزت بمحاولات الإدارة استغلال التناقضات لضرب الإسلاميين باليساريين، غير أن بعض الطلبة رفضوا الوقوع في هذا “الفخ” وأصروا على إبقاء السجال في حدود الفكر والمطالب الطلابية المشتركة.
المعتصم كشف أن دخوله إلى الحركة الإسلامية المغربية لم يكن عبر ما يُعرف لاحقا بـ“الشبيبة الإسلامية”، بل من خلال لقاء مع الأستاذ عبد الكريم مطاع، الذي لعب دورا أساسيا في تأطير مجموعة من الشباب ضمن ما أسماه “الحركة الإسلامية المغربية”.
وأكد أنه ظل على قطيعة فكرية مع الشبيبة، بسبب خلافات جوهرية تتعلق بالتحالفات الخارجية والتنظيم الداخلي، معتبرا أن تلك المرحلة شهدت ميلاد تيارات إسلامية أكثر استقلالية ستتبلور لاحقا في تجربة “الاختيار الإسلامي”.
وعن العنف الذي اندلع لاحقا في بعض الجامعات، خاصة بفاس، أوضح المعتصم أن الرباط ظلت بمنأى عن تلك المواجهات، لأن القيادات الطلابية من الجانبين كانت واعية بخطورة الانزلاق، قائلا: “الاختلاف كان قائما، لكن لم يكن مجال للعنف، بل للنقاش والتنافس الفكري، وهو ما ساهم في تفجير الأفكار وتوسيع الرؤية”.
كما توقف عند الدور التاريخي للاتحاد الوطني لطلبة المغرب باعتباره “المشتل” الذي أنجب أجيالا من المناضلين، سواء كانوا معارضين أو لاحقا مسؤولين في الدولة، معتبرا أن استمرار منع هذا الإطار النقابي ساهم في تدهور الوعي الطلابي داخل الجامعات، وما لذلك من أثر على جودة النخب التي تقود المستقبل.
وختم المعتصم شهادته بالتأكيد على أن السياق الدولي، من حرب 1967 إلى الحركات الطلابية في فرنسا وأمريكا اللاتينية، أثّر بعمق في جيله، لكنه يرى اليوم أن مسؤولية النظام السياسي آنذاك في غياب الحريات والقمع المفرط، كانت من العوامل التي دفعت الشباب نحو مواقف متطرفة، قبل أن تبدأ مراجعات فكرية وتنظيمية جديدة لاحقا.