الرئيسية / ثقافة و فن / أكاديمية المملكة تنصب مارسيل خليفة عضوا شرفيا في احتفاء يزاوج بين الفكر والموسيقى

أكاديمية المملكة تنصب مارسيل خليفة عضوا شرفيا في احتفاء يزاوج بين الفكر والموسيقى

ثقافة و فن
فبراير.كوم 05 ديسمبر 2025 - 15:30
A+ / A-

فتحت أكاديمية المملكة المغربية أبوابها يوم الأربعاء 3 دجنبر 2025 لاستقبال الفنان اللبناني مارسيل خليفة، الذي عُيّن عضواً شرفياً ضمن جلستها الرسمية المخصصة لتنصيب أعضاء جدد.

وقد اعتُبر الحدث لحظة استثنائية داخل المؤسسة الثقافية العريقة، بالنظر إلى مكانة خليفة في المشهد الفني العربي وحضوره المتواصل في الوجدان المغربي منذ أكثر من ثلاثة عقود.

وجرت مراسيم التنصيب بحضور رئيس الأكاديمية عبد الفتاح الحجمري، وتحت رئاسة الشاعر محمد الأشعري، فيما قدم المفكر المغربي نور الدين أفاية الكلمة التقديمية التي خصت الفنان بمكانة خاصة في “ذاكرة الأمل العربي” التي طالما حملتها موسيقاه.

وخلال الحفل، قدّم مارسيل خليفة نصاً كتبه للمناسبة، نصاً مشبعاً بنبرة وجدانية لامست الحاضرين، قبل أن يختنق صوته عند النهاية وهو يحاول مداراة دمعة باغتته أمام خشبة الأكاديمية. اللحظة، كما وصفها عدد من الحاضرين، لم تكن بروتوكولاً بقدر ما كانت ارتعاشة صادقة لفنان أحبّه المغاربة بصوته كما أحبهم بمحبته.

خليفة الذي زار المغرب لأول مرة سنة 1990، عاد إليه مراراً، وصار جزءاً من ذاكرة حفلاته ورفيقاً للجامعة والمنتديات واللقاءات الثقافية، قبل أن تمنحه المؤسسة أرفع اعتراف رمزي بوضعه في صف الشخصيات التي أسهمت في صناعة المعنى وتوقيع صفحات من تاريخ الثقافة العربية المعاصرة.

ومن بين ما دوّنته الصحافية سعاد الزعتراوي عن الحدث أنها لم تكن تحتاج جهداً كي تقتنع بحضور حفل التنصيب، فقد كان اللقاء بالنسبة إليها “مساحة لعودة براءة الطفولة” كلما جلست إلى مارسيل خليفة.

تحدثت عن اللحظة التي شرِق فيها صوته أثناء تلاوته للنص، وكيف كان الحاضرون شهوداً على هشاشة القوة حين تتجاور الكلمة مع الذاكرة. بعد الحفل، استرجع خليفة ذكريات تمتد من السجن المغربي في الثمانينات، حيث استمعت الزعتراوي إلى أغانيه مهرّبة على يد أختها أسماء، إلى لقاءات في المنفى مع الراحلة آسية وصور حملت عبق زمن آخر.

تحدثت أيضاً عن حوارات جمعتها بالفنان حول السقوط الأخلاقي الذي يشهده العالم اليوم، والجرح الفلسطيني واللبناني والسوري والسوداني واليمني، وعن أغنية “جفرا” التي كانت الأقرب إلى قلب الشاعر محمود درويش، صديق خليفة ورفيق قصائده الخالدة.

كما انضم الكاتب والفاعل الثقافي صلاح الوديع إلى شهادات اليوم، مؤكداً أن تنصيب مارسيل خليفة في أكاديمية المملكة المغربية يشكل لحظة تتجاوز حدود الاحتفال إلى “تكريم لقيمة فنية صنعت وجدان أجيال كاملة”.

واعتبر الوديع أن خليفة جاء إلى المغرب من بوابة الموسيقى، لكنه بقي فيه من بوابة الانتماء الوجداني، إذ صار بالنسبة لعدد كبير من المغاربة “صوتاً يوقظ الذاكرة ويعيد تسمية الأمل بأشكاله الممكنة والمستحيلة”. ورأى أن وضع الفنان في صفوف الأكاديمية هو اعتراف برصيد موسيقي وإنساني لا يشيخ، تماماً مثل القضايا التي حملها صوته من فلسطين إلى لبنان ومن الإنسان إلى الأرض.

وتتقاطع الشهادتان في رسم صورة فنان لم يعد مجرد موسيقي أو ملحن أو صاحب تجربة جريئة في تحديث الأغنية العربية، بل تحوّل إلى رمز ثقافي يتجاوز الحدود الوطنية، ويجد في المغرب أحد أوفى فضاءاته. ولا يخفي خليفة نفسه هذا الشعور، فقد صرّح أن التنوع الفني للمغرب ظل يسحره ويغريه، وأنه بصدد كتابة عمل يحتضن هذا الغنى الجمالي الذي يميز التراث المغربي، في محاولة لردّ بعض من محبة تلقاها على امتداد خمسة عقود من مساره الفني.

ومارسيل خليفة، لمن لا يعرف مساره كاملاً، هو أحد أبرز أعلام الموسيقى العربية المعاصرة، وُلد في عمشيت بلبنان سنة 1950، وتخرّج من المعهد الوطني للموسيقى، قبل أن يصبح اسماً مركزياً في تجديد الأغنية الملتزمة.

اشتهر بقراءته الموسيقية المختلفة لنصوص محمود درويش، فحوّل القصيدة العربية الحديثة إلى أغنية لها هوية مركبة تجمع بين النبرة الملحمية والجرح الإنساني. وفي سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، صار صوته مرادفاً للمقاومة والكرامة، ثم حملته حفلاته إلى مدن العالم، من موسكو إلى الرباط، حاملاً معه صورة عربية لا تنحني.

وإلى جانب نشاطه الفني، شغل خليفة مواقع رمزية وثقافية عديدة، وحصل على جوائز دولية، غير أن تتويجه في المغرب يحمل بعداً خاصاً بالنسبة له، لأن العلاقة التي جمعته بالجمهور المغربي لم تكن مجرد علاقة إعجاب، بل علاقة عشق متبادل ظل ينمو خارج حسابات الظرف والسياسة.

وفي لحظة التنصيب، كان المشهد يختصر هذا المسار كله؛ فالأكاديمية التي تجمع نخبة الفكر والمعرفة في المغرب، وضعت في صفوفها فناناً حمل الموسيقى إلى حدودها الأخلاقية القصوى، وعلّم أجيالاً أن الفن ليس زينةً للواقع، بل أحد أشكال مقاومته.

وبذلك، لم تُكرّم الأكاديمية مساراً فنيّاً وحسب، بل كرّمت أيضاً الرجل الذي ظل خمسين عاماً يمشي منتصب القامة في دروب الفن، من دون أن يتخلى عن صوته ولا عن رسالته.

مارسيل خليفة، الذي ودّع الحاضرين بعد لحظة مؤثرة، خرج من الأكاديمية كما دخلها: بسيطاً، هادئاً، وحاملاً في عينيه ذلك اليقين الذي يردّده دائماً… أنه صار مغربياً بالحب قبل أن يكون لبنانياً بالميلاد.

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة