الرئيسية / ثقافة و فن / أحمد قعبور.. الصوت الذي يشبه الناس

أحمد قعبور.. الصوت الذي يشبه الناس

قعبور
ثقافة و فن
فبراير.كوم 28 مارس 2026 - 10:30
A+ / A-

في العشرين من عمره، وبيروت تحترق من حولها، فتح شابٌّ ديوانَ توفيق زيّاد ولحّن قصيدة. لم يكن يعلم أنه يكتب نشيداً سيحمله الملايين عقوداً. رحل أحمد قعبور تاركاً وراءه شيئاً أثمن من الشهرة: صوتاً كان يشبه الناس.

وُلد أحمد قعبور في التاسع من يوليو عام 1955 في بيروت، لأسرة سكنتها الموسيقى قبل أن يُولد. كان والده محمود الرشيدي من أوائل عازفي الكمان في لبنان، فنشأ الطفل على إيقاع الأوتار وعبير المدينة معاً.

لم يكن ذلك مجرد طفولة في بيت موسيقي؛ كان تدريباً غير مباشر على أن الفن ليس ترفاً، بل حاجة إنسانية أصيلة.

درس قعبور المسرح في معهد الفنون الجميلة بالجامعة اللبنانية، وتخرّج أواخر السبعينيات في مرحلة كانت فيها بيروت تتشقق من الداخل. الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975 لم تُثبّطه، بل صقلت وعيه وحدّدت خياراته: قرر بوعي تام أن يكون فنان الناس، لا فنان الصالونات.

حين وقع بين يديه ديوان توفيق زيّاد وهو في العشرين، لم يجلس ليدرس القصيدة؛ لحّنها. تحوّلت “أناديكم، أشد على أياديكم” في أسابيع من قصيدة مطبوعة إلى نشيد شعبي يُردّد في الشوارع والمخيمات ومظاهرات الطلاب. كانت تلك اللحظة تأسيسية: أثبت فيها قعبور أن التلحين الملتزم لا يعني تقليص الأغنية إلى خطاب؛ يمكن أن يكون جمالياً ووطنياً في آنٍ معاً.

على هذه الانطلاقة بنى قعبور مدرسته: “نحنا الناس”، “يا رايح صوب بلادي”، “الأرض ستبقى”، “علو البيارق”، “يا نبض الضفة”. هي أغانٍ لم تُكتب في الاستوديو فحسب، بل في قلب الأحداث. كانت بيروت مادته الخام والجنوب اللبناني قبلته الثابتة، إذ حمل الليطاني والنبطية والخيام في ألحانه كأنها جغرافيا داخلية.

لم يكن قعبور مجرد صوت سياسي. الذين كبروا في بيوت بيروتية سيتذكرون أغاني الأطفال التي لحّنها، والابتهالات الرمضانية التي ارتبطت بذاكرة الشهر الكريم في الوجدان اللبناني. لحّن مئات الأغاني للطفولة، وأسهم في مسرح الدمى، ووضع الموسيقى التصويرية لمسلسلات درامية وتاريخية. أما على الشاشة الكبيرة، فشارك ممثلاً في فيلم “ناجي العلي” عام 1992، وكان الاختيار بالغ الدلالة: فنان يجسّد فناناً آخر رفع القضية فوق حياته.

ما يجمع هذا كله ليس الموضوع، بل الموقف. كان قعبور فناناً يؤمن بأن الجماهير لا تحتاج أن تُبسَّط لها الأغنية لتفهمها؛ تحتاج أن تشعر بأن أحداً يراها. وقد فعل ذلك طوال خمسة عقود.

في بلد حيث يجد كل فنان نفسه مضطراً في لحظة ما للانتساب أو الانحياز أو قبول الراعي السياسي، اختار أحمد قعبور مساراً مختلفاً: رفض الارتهان للمال السياسي على مدى عقود، محافظاً على استقلاليته في زمن نادر فيها. لم يكن ذلك مجاناً؛ دفع ثمنه في التهميش أحياناً وضيق الفرص أحياناً أخرى. لكنه حافظ على شيء أثمن: المصداقية.

حين يُوصفه رئيس الجمهورية بأنه “مرآة بيروت ووجدانها ونبض شوارعها”، فالعبارة ليست مجاملة رسمية. إنها اعتراف بأن الفن الحقيقي يبقى حتى حين يرحل أصحابه، لأنه كان دائماً ملكاً لغيرهم.

رحل قعبور وفي الهواء بعض من صوته لم يتبدّد بعد. الأغنية التي غناها جيل ستغنيها أجيال لا تعرف صاحبها بالاسم، لكنها ستعرفه بالشعور. ذلك هو الإرث الحقيقي: ألّا تحتاج التوقيع حين تصبح جزءاً من ذاكرة شعب.

السمات ذات صلة

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة